الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
229
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
والمعنى إن هزمتم يوم أحد فقد هزم المشركون يوم بدر وكنتم كفافا . ولذلك أعقبه بقوله : وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ . والتّعبير عمّا أصاب المسلمين بصيغة المضارع في يَمْسَسْكُمْ لقربه من زمن الحال ، وعمّا أصاب المشركين بصيغة الماضي لبعده لأنّه حصل يوم بدر . فقوله : فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ ليس هو جواب الشرط في المعنى ولكنّه دليل عليه أغنى عنه على طريقة الإيجاز ، والمعنى : إن يمسكم قرح فلا تحزنوا أو فلا تهنوا وهنا بالشكّ في وعد اللّه بنصر دينه إذ قد مسّ القوم قرح مثله فلم تكونوا مهزومين ولكنّكم كنتم كفافا ، وذلك بالنّسبة لقلّة المؤمنين نصر مبين . وهذه المقابلة بما أصاب العدوّ يوم بدر تعيّن أن يكون الكلام تسلية وليس إعلاما بالعقوبة كما قاله جمع من المفسّرين . وقد سأل هرقل أبا سفيان : كيف كان قتالكم له قال « الحرب بيننا سجال ينال منّا وننال منه ، فقال هرقل : وكذلك الرسل تبتلى وتكون لهم العاقبة » . وقوله : وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ الواو اعتراضية ، والإشارة بتلك إلى ما سيذكر بعد ، فالإشارة هنا بمنزلة ضمير الشأن لقصد الاهتمام بالخبر وهذا الخبر مكنّى به عن تعليل للجواب المحذوف المدلول عليه بجملة : فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ . و الْأَيَّامُ يجوز أن تكون جمع يوم مراد به يوم الحرب ، كقولهم : يوم بدر ويوم بعاث ويوم الشّعثمين ، ومنه أيّام العرب ، ويجوز أن يكون أطلق على الزّمان كقول طرفة : وما تنقص الأيّام والدهر ينفد أي الأزمان . والمداولة تصريفها غريب إذ هي مصدر داول فلان فلانا الشيء إذا جعله عنده دولة ودولة عند الآخر أي يدوله كلّ منهما أي يلزمه حتّى يشتهر به ، ومنه دال يدول دولا اشتهر ، لأنّ الملازمة تقتضي الشهرة بالشيء ، فالتداول في الأصل تفاعل من دال ، ويكون ذلك في الأشياء والكلام ، يقال : كلام مداول ، ثمّ استعملوا داولت الشيء مجازا ، إذا جعلت غيرك يتداولونه ، وقرينة هذا الاستعمال أن تقول : بينهم . فالفاعل في هذا الإطلاق لا حظّ له من الفعل ، ولكن له الحظّ في الجعل ، وقريب منه قولهم : اضطررته إلى كذا ، أي جعلته مضطرّا مع أنّ أصل اضطرّ أنّه مطاوع ضرّه . و النَّاسِ البشر كلهم لأنّ هذا من السنن الكونية ، فلا يختصّ بالقوم المتحدّث